بيب غوارديولا عندما تكون القمة معيارًا للنجاح

بيب غوارديولا في مانشستر سيتي
9

جوزيب او جوسيب جوارديولا عندما تكون القمة معيارًا للنجاح :

الدوري : في وقت قياسي جدا وصل غوارديولا إلى القمة و بشكل مبكر مقارنة بقصر مسيرته المهنية كمدرب، فتجاربه السابقة كانت ناجحة إلى حد يفوق الوصف و خاصة تجربته المحلية مع ناديه الأم برشلونة، هذا النجاح وضعه في مكانة مرموقة بين المخضرمين، و الملفت أنه لم يشعر بالتخمة من الألقاب و ما زال يتوق للمزيد دائمًا، لكن خلال مسيرته لم يتعرض بيب لنكسة مماثلة كالتي يمر بها حاليًا مع مانشستر سيتي، فهذا الهبوط الحاد في المستوى أمرٌ لم يعتد عليه بيب و لم يختبره في سنواته السابقة، و بالتالي من الصعوبة بمكان اكتشاف الأخطاء أو التعلم منها بسرعة لأن بيب بدأ من القمة و لم يصارع في القاع، و هذه القمة أصبحت المعيار الوحيد لتقييم عمله و نجاحاته.

الأسلوب مقدسٌ لا يُمس !

غوارديولا مدرب عبقري لا شك في ذلك :

، فهو بمثابة طالب ذكي يعرف كيف يحل المعادلة و كيف يفك شفرتها، و الحل عنده لا يقف عند « 1+1 = 2 » بل لديه طرق أخرى للوصول للنتيجة ذاتها، و استقى غوارديولا هذا الفهم الواسع للعبة من معلمه كرويف الذي أرشده كيف يتصرف كلاعب داخل أرض الملعب و شاهده كمثال يُحتذى أمامه و تعلم منه كيف يتعامل مع اللعبة كمدرب، بما معناه أن بيب لديه خلفية كلاسيكية عن اللعبة استمدها من إتباعه لأفكار و معايير كرويف، و الكلاسيكية لا يمكن تأطيرها ضمن أوصاف الرتابة و التكرار كما يعتقد البعض،فالكلاسيكية هي إتقان الفن و الوصول به إلى درجات قصوى، لكن في الوقت ذاته لا مجال فيها للخروج عن القواعد و غوارديولا يعتبر أن الأسلوب مقدسٌ و لا يُمَس ، فهو يفضل الفوز بأسلوبه المعتاد و يبدو أنه يفضل الخسارة هو يطبق الأسلوب ذاته.

بيب كما معلمه لا ينظر للعبة من خلفية رومانسية :

بيب كما معلمه لا ينظر للعبة من خلفية رومانسية فهو متطلب جدا و مهتم بالتفاصيل لأبعد حد، و يؤمن بالفوز في المقام الأول حيث قال « أنا هنا لأني فزت مسبقًا، أنا هنا للفوز و ليس للإمتاع » ، و يعتقد أن الطريقة الأنسب لذلك هي بإعتماده على هذا الأسلوب في اللعب. و عندما سُئل بيب مؤخرًا عن البراغماتية فأجاب « أنا براغماتي انظر لأرقامي و ألقابي » و عندما سُئل عن الإستثنائية في التي وضعت فريقه خارج الصدارة قال « الإستثنائية هي النجاح بالإستمرار بالمقدمة لثمان مواسم متوالية » ، و لم يدرك بيب أن جوابه لا يتعلق بالبراغماتية، فالبراغماتية تعتبر أن نجاح العمل هو المرجع الوحيد للحقيقة و نتائج عمله مع السيتي ليست كذلك حتى الآن.

الكلاسيكية ليست الفلسلفة الوحيدة التي تميز غوارديولا :

الكلاسيكية ليست الفلسلفة الوحيدة التي تميز غوارديولا بل هو شخص بيروقراطي في العمل، أي أنه يحاول فرض أفكاره و سيطرته دائمًا، فالبيروقراطية هي تطبيق القوانين بالقوة و تسعى للتقيد الحرفي بالقوانين، و ليس لزامًا أن تكون هذه الصفات سلبية كما يعتقد البعض، فهناك من يقرنها بالروتين و الملل و الجمود و هذا أمر طبيعي لأن لكل أمر حدين إيجابي و سلبي، فالنظام البيروقراطي يحقق إنتاجية عالية عندما تمتلك الأدوات المنفذة مؤهلات و كفاءة كبيرة، و يفشل عندما تكون الخبرات قليلة و الإختيارات خاطئة. و مشكلة بيب في السيتي لا تكمن في الفكرة بل في الخبرات و المؤهلات التي ستطبق القوانين، الأدوات في السيتي اختلفت و الأشخاص المسؤوليين داخل أرض الملعب لا يملكون الفهم الكافي لتنفيذ متطلبات بيب التي نفذها بوسكيتس و تشافي بدقة، و لا يملكون الإبداع الذي يملكه انييستا و ميسي، ولكن مرة أخرى الأسلوب مقدس و لا يُمس.

ثورة أم انقلاب ؟

قدوم جوارديولا إلى مانشستر كان لإكمال مشروع السيتي :

قدوم غوارديولا إلى مانشستر كان لإكمال مشروع السيتي الذي ينقص أحد جوانبه الكاريزما الشخصية بعد هذا الضخ المالي الهائل على الفريق من خلال الإنفاق على التعاقدات و المنشآت الرياضية الحديثة، لكن بيب أتى بعباءة البيروقراطي الذي يسعى إلى تطبيق القوانين بالقوة مسلحًا بأصدقاءه القدامى من برشلونة فيريرو سوريانو المدير التنفيذي للسيتي و تشيكي بيغرشتاين المدير الرياضي في النادي أيضا، و على الرغم من صعوبة بيئة العمل داخل النادي كان قدومه أشبه بانقلاب ديكتاتوري دموي و ليس بعملية أو ثورة تصحيحية، فالسيتي تعاقد معه من أجل خلق شخصية للفريق في المقام الأول، و إكمال عملية البناء ثانيا، و من ثم شيئا فشيئا تكوين الفريق حسب أفكاره و أهوائه، و لكن إرتأى بيب أن يهدم البناء و يضع أساسات جديدة بدلًا من تدعيم ركائزه، و هذا أحد عيوب غوارديولا لأنه حاول منذ البداية أن يفرض قوته و أفكاره و لم يترك مجالاً للاعبين للتعبيرعن أنفسهم بطريقة مختلفة و لم يحاول أن يكون براغماتيًا و يتعامل مع الظروف المحيطة السيئة و التي كان سببها نقص الخبرات.

اهم ما قام به جوارديولا منذ البداية :

منذ البداية أزاح غوارديولا بعض الأسماء وأهمها أقدم لاعبي النادي جو هارت، و استقطب أسماء أخرى لم يوفق بعضها حتى الآن بسبب قلة الخبرة أو كانت الخيارات خاطئة أساسًا لأنها لا تناسب البريمرليغ، وعند مراجعة تاريخ الإسباني منذ بدايته نكتشف أن هذا الأمر ليس بجديد، فبعض اختياراته كانت سيئة في برشلونة مثل التعاقد مع ابراهيموفيتش و شيجرنسكي و فابريجاس، و في بايرن اصطدم بالعصيان بعد رفض مطالبه من قبل إدارة بايرن بسبب وجود بيرقراطية يمكن وصفها بالناجحة لأنها تعتمد التسلسل الهرمي و توزيع المهام بحسب الخبرات، فتم رفض التوقيع مع ظهير أيمن لإجبار بيب على إعادة لام لمركزه و قام النادي بالتوقيع مع أرتورو فيدال بحسب توصية المدير الرياضي داخل النادي، و في السيتي كانت خياراته صعبة الفهم و خصوصًا بتعاقده مع لاعبين لا يعد تواجدهم كأولوية في الفريق مثل غابرييل خيسوس و ليروي سانيه بسبب وجود كل من دي بروينه و سيلفا و ستيرلينغ و نوليتو، بينما كان يتوجب عليه تدعيم خط دفاعه المتهالك و المتقدم في السن و الذي يعاني بسببه في كل مباراة.

مفهوم الثورية واسع جدًا و له العديد من التعاريف و المصطلحات، لكن في حالة بيب و بحسب المصطلحات الفلسفية نستنتج أنه لا يقدم ثورة لأن أفكاره مستمدة من افكار الأقدمون و لا يوجد في الكلاسيكية ثورات، و لا يقدم ثورة لأنه في المثالية لا يوجد ثورات أيضًا لأنها تركز على النخبة و تهمل الآخرين.

ليت كل ما يلمع ذهبًا !!

بيب يتحدث عن ثقافة الإنتصار الغائبة عن شخصية فريقه :

منذ مدة قصيرة خرج بيب و تحدث عن القيمة التاريخية المعدومة لناديه مقارنة بكبار انكلترا و هذا صحيح تماما، لكن بيب كان يتحدث عن ثقافة الإنتصار الغائبة عن شخصية فريقه، لكنه تغاضى عن شخصية اللاعبين التي من الممكن أن توجد عنصر التفوق أيضًا بدون تدخل من المدرب، صحيح أن غوارديولا لم يتقرب من لاعبيه من أجل التوصل لحلول وسطية بين فلسفته و خبراتهم، لكنهم بالمقابل يفتقدون لبعض الأمور التي يحتاجها أي مدرب آخر خلال المباراة، و هنا يمكن أن ننصف بيب لأن أحد أسباب مشكلة السيتي الحالية هي افتقاد الفريق للاعبين المؤثرين داخل أرض الملعب.

وجود لاعبين بشخصيات قيادية يُسهل من عملية إرساء الفكر الإيجابي و حصد الإنتصارات في حال تأخر المدرب في إيصال أفكاره، و هذا يُظهر بيب عاجزًا بعض الشيء لأنه يريد تطوير أداء الفريق و تطوير الأداء الفردي للاعبين و حصد النتائج معًا و هذا أمر بالغ في الصعوبة، و لا يمكن إنكار أن بيب إستفاد في تجربته المحلية مع برشلونة بسبب وجود عناصر تم تثقيفها كرويًا على يد كرويف في لاماسيا و بالتالي كانت التجربة أسهل بسبب وجود فهم مشترك للمعايير و القواعد، و في بايرن استفاد أيضًا بسبب إمتلاك النادي لإرث تاريخي أو ثقافة مختلفة يعكسها أبناء النادي أو الدولة، و في بعض الأحيان كان بيب يلجأ للدمج بين أسلوبه و أسلوب بايرن التقليدي في اللعب المباشر و هذا حدث في مواجهتي أتلتيكو مدريد و كانتا من أفضل المباريات التي قدمها بيب مع بايرن و تمنت جماهير النادي لو كان بيب أقل تشددًا لأفكاره أو أكثر ليونة و حاول دمج نواة عمله مع نواة بايرن منذ بداية عمله.

لكن السيتي لا يمتلك فلسفة خاصة به و لا يوجد من يعكس شخصية الفريق أو الدولة بسبب ندرة اللاعبين المحليين و يفتقد لاعبيه للشخصية القيادية، فالإسباني دافيد سيلفا يمتلك موهبة و مهارة لا تقل عن مواطنه انييستا لكن التباين في شخصيتهما جليٌ جدًا، فالثقة بالنفس هي العامل الأهم داخل أرض الملعب و ليس الموهبة و ليس التكتيك و لا الخطط، سيلفا ما زال يُشعرك بأنه لاعب شاب يشك بقدراته و فاقدا للثقة بإمكانياته، سيلفا بلا شك ناضج و متطور فنيا لكن ما زال ينقصه شيء ما يجعلك تقع في حيرة خلال تقييمه.

و الأمر ذاته بالنسبة لأجويرو الذي يمتلك مقومات عالية جدا لكن لا يناسب أفكار غوارديولا الذي يبحث عن الضغط العالي من خط المقدمة و أجويرو متقاعص جدا عندما تطلب منه هذه المهمة و ربما يعود الأمر بسبب فقدان الحافز و امتلاء جيوبه بالأموال.

أما برافو رغم نجاحه مع برشلونة فلم يكن قائدًا بمعنى الكلمة في تنظيم خط الدفاع بل كان الإعتماد على شخصية داني ألفيش و بيكيه القياديتين، و الآن نشاهد كلاوديو يشكل عبئًا ثقيلاً على الفريق في الخط الخلفي على عكس نوير الذي منح مدربه و مدافعيه أريحية كبيرة في تطبيق الفلسفة التي أرادها بيب بسبب ثقته بنفسه و مهاراته المتنوعة.

 

بيب غوارديولا في مانشستر سيتي
بيب غوارديولا في مانشستر سيتي

المزيد من الاخبار المزيد من الموضوعات للكاتب

رد علي التعليق

لن يتم نشر ايميلك